اليعقوبي
393
تاريخ اليعقوبي
صالحا ، فحينئذ ينقطع عنك أهلك ، ويحل بك عملك ، فترى ما قدمته يداك ، وسعت فيه قدماك ، ونطق به لسانك ، واستركبت عليه جوارحك ، ولحظت له عينك ، وانطوى عليه غيبك ، فتجزى عليه الجزاء الأوفى إن شرا فشرا ، وإن خيرا فخيرا ، فلتكن تقوى الله من شأنك وطاعته من بالك ، استعن بالله على دينك ، وتقرب به إلى ربك ونفسك ، فخذ منها ولا تجعلها للهوى ، ولن تعمل الشر قامعا ، فليس أحد أكثر وزرا ، ولا أعز إثما ، ولا أعظم مصيبة ، ولا أجل رزيئة منك لتكاثف ذنوبك ، وتضاعف أعمالك ، إذ قلدك الله الرعية تحكم فيهم بمثل الذرة ، فيقتضون منك أجمعون ، وتكافى على أفعال ولاتك الظالمين ، فإن الله يقول : إنك ميت ، وإنهم ميتون ، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ، فكأني بك وقد أوقفت بين يدي الجبار ، وخذلك الأنصار ، وأسلمك الأعوان ، وطوقت الخطايا ، وقرنت بك الذنوب ، وحل بك الوجل ، وقعد بك الفشل ، وكلت حجتك ، وقلت حيلتك ، وأخذت منك الحقوق ، واقتاد منك المخلوق في يوم شديد هوله ، عظيم كربه ، تشخص فيه الابصار لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ، ولا شفيع يطاع ، فما عسيت أن يكون حالك يومئذ ، إذا خاصمك الخلق ، واستقضى عليك الحق ، إذ لا خاصة تنجيك ، ولا قرابة تحميك ، تطلب فيه التباعة ، ولا تقبل فيه الشفاعة ، ويعمل فيه بالعدل ، ويقضى فيه بالفضل ، قال الله : لا ظلم اليوم ، إن الله سريع الحساب . فعليك بالتشمير لدينك والاجتهاد لنفسك ، فافكك عنقك ، وبادر يومك ، واحذر غدك ، واتق دنياك ، فإنها دنيا غادرة موبقة ، ولتصدق لله نيتك ، وتعظم إليه فاقتك ، وليتسع إنصافك ، وينبسط عدلك ، ويؤمن ظلمك ، وواس بين الرعية في الاحتكام ، واطلب بجهدك رضى الرحمن وأهل الدين ، فليكونوا أعضادك ، وأعط حظ المسلمين من أموالهم ، ووفر لهم فيأهم ، وتابع أعطياتهم عليهم ، وعجل بنفقاتهم إليهم سنة سنة ، وشهرا شهرا ، وعليك بعمارة البلاد بتخفيف الخراج ، واستصلح الناس